الشيخ عباس القمي
14
منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )
لون آخر ، وكان قيامه في صلاته قيام العبد الذليل بين يدي الملك الجليل ، كانت أعضاؤه ترتعد من خشية اللّه عز وجل ، وكان يصلّي صلاة مودّع يرى انّه لا يصلّي بعدها أبدا ، ولقد صلّى ذات يوم فسقط الرداء عن احدى منكبيه فلم يسوّه حتى فرغ من صلاته ، فسأله بعض أصحابه عن ذلك فقال : ويحك أتدري بين يدي من كنت ، انّ العبد لا يقبل من صلاته الّا ما أقبل عليه منها بقلبه ، فقال الرجل : هلكنا ، فقال : كلّا ، انّ اللّه عز وجل متمّم ذلك بالنوافل . ( 1 ) وكان عليه السّلام ليخرج في الليلة الظلماء فيحمل الجراب على ظهره وفيه الصرر من الدنانير والدراهم ، وربّما حمل على ظهره الطعام أو الحطب حتى يأتي بابا بابا فيقرعه ثم يناول من يخرج إليه ، وكان يغطّي وجهه إذا ناول فقيرا لئلّا يعرفه فلمّا توفى عليه السّلام فقدوا ذلك فعلموا انّه كان عليّ بن الحسين عليه السّلام ، ولمّا وضع على المغتسل نظروا إلى ظهره وعليه مثل ركب الإبل مما كان يحمل على ظهره إلى منازل الفقراء والمساكين . ( 2 ) ولقد خرج ذات يوم وعليه مطرف خزّ فعرض له سائل فتعلّق بالمطرف ( فأخذه من الامام ) فمضى وتركه ، وكان يشتري الخزّ في الشتاء فإذا جاء الصيف باعه فتصدّق بثمنه ، ولقد نظر عليه السّلام يوم عرفة إلى قوم يسألون الناس ، فقال : ويحكم ، أغير اللّه تسألون في مثل هذا اليوم انّه ليرجى في هذا اليوم لما في بطون الحبالى أن يكونوا سعداء . ( 3 ) ولقد كان عليه السّلام يأبى أن يؤاكل امّه ، فقيل له : يا ابن رسول اللّه أنت أبرّ الناس وأوصلهم للرحم فكيف لا تؤاكل أمّك ؟ فقال : إنّي أكره أن تسبق يدي إلى ما سبقت عينها إليه ، ولقد قال له عليه السّلام رجل : يا ابن رسول اللّه إنّي لأحبّك في اللّه حبّا شديدا ، فقال : اللهم إنّي أعوذ بك أن أحبّ لك وأنت لي مبغض ، ولقد حجّ على ناقة له عشرين حجّة فما قرعها بسوط ، فلمّا توفّت أمر بدفنها لئلّا تأكلها السباع . ( 4 ) ولقد سئلت عنه مولاة له فقالت : أطنب أو أختصر ؟ فقيل لها : بل اختصري ، فقالت : ما أتيته بطعام نهارا قط وما فرشت له فراشا بليل قط . ولقد انتهى ذات يوم إلى قوم يغتابونه فوقف عليهم فقال : ان كنتم صادقين فغفر اللّه لي وان